في إحدى الجلسات التي جمعتني بصديقين من المهتمين بالشأن العام، دار الحديث حول ظاهرةٍ مقلقةٍ تتنامى في أوساط كثيرٍ من النخب الفكرية والدعوية والتربوية في عالمنا الإسلامي: غياب الوعي العميق، واضطراب البصيرة في قراءة الواقع وتقدير المواقف وأسباب ذلك.
فقال الأول:
إن من أبرز أسباب هذا التردي توقف القراءة وضعف المتابعة الجادة لتحولات الواقع ومجرياته المتسارعة.
فالزمن اليوم لا يشبه الأمس، والقوى الفاعلة تتبدل مواقعها وأدوارها على نحوٍ مذهل؛ فالقوي قد يفتر، والضعيف قد يقوى، والمصلح قد يزيغ، والضال قد يهتدي، والكبير قد يصغر، والصغير قد يكبر.
ومع ذلك، ما زال كثير من نخبتنا الكريمة يحاكمون أحداث اليوم بمفاهيم الأمس، ويصدرون أحكامهم على الواقع بمعلوماتٍ تجاوزها الزمن.
فجمودُ المدخلات المعرفية، واعتيادُ النظر إلى الوقائع بمنظارٍ تاريخيٍّ جامد، جعل أحكامهم متخلفةً عن حركة الحياة.
وهنا تكمن إحدى أعمق علل الوعي في مجتمعاتنا: أن يُحاكم المتغير بالثابت، والمستقبل بالماضي.
وقال الثاني:
بل إن العلة لا تقتصر على الجمود، بل تمتد إلى الإرهاق النفسي والفكري الذي أصاب كثيرًا من نخبنا العاملة في ميدان الإصلاح.
فلقد أضناها طول الطريق وكثرة الصدمات، فبردت عزائمها، وضاقت صدورها عن سماع ما لا تود،
وبات كثير منهم لا يرى إلا ما يهوى، ولا يسمع إلا ما يرضيه، وكأن الوعي صار أسيرًا للمزاج لا للعقل. وللرغبة لا لمعطيات الواقع وتحدياته.
مع أن الوعي الحقّ لا يتأسس إلا على ميزانٍ دقيقٍ يرى جوانب القوة والضعف، والفرص والمخاطر معًا.
ومن ركّز على جوانب القوة وحدها بنى آمالًا على رمال، ومن تجاهل نقاط الضعف فقد البوصلة وارتكس في بحار اليأس عند أول اختبار.
ولذلك كثُر في خطاب بعض نخبنا التبرير للأخطاء، والتغاضي عن القصور، والتساهل في مواجهة الانحرافات، حتى غدت بعض المشاريع الإصلاحية تُدار بعاطفة التفاؤل أكثر مما تُقاد بعقل البصيرة، وبالرغبة لا بالاجتهاد.
أما الثالث فقال:
بل إن أصل البلاء هو التحزّب والحبّ او البغض غير المتزن.
فكثيرٌ من نخبنا قد فقدت استقلال الوعي بسبب الولاءات المسبقة والعواطف الخاصة.
فمن تحزّبوا له ضخّموا صوابه، وغضّوا الطرف عن تجاوزاته، ومن خالفوه شيطنوه، وجعلوا كل فعاله سوءًا، وجميع مسالكه شرا.
وهكذا تغلب العاطفة على المنهج، ويتقدّم الهوى على البرهان، فيغدو الوعي تابعًا للحبّ والبغض لا للحقّ والعدل ومعطيات الواقع.
وهذا من أخطر ما يصيب العقول العاملة في الشأن العام، لأن الوعي إذا استُعبد للعاطفة فقد موضوعيته، وإذا تلوّث بالتحزّب ضاع منه نور الهدى والبصيرة.
وانتهى مجلسنا على صوت المؤذن ينادي إلى الصلاة، دون أن ينتهي حديثنا.
لكن ما تفرقنا إلا وقد بقي السؤال حاضرًا في النفس:
كيف تُبنى بصيرة النخبة على أساسٍ من الإيمان والعلم والتجرد؟ وكيف نعيد إلى العقل المسلم صفاءه الأول بعد أن تكاثفت عليه غيوم الجهل والأهواء والعصبيات؟
إن الوعي الحقّ لا يُستمد من مجرد القراءة، ولا من طول التجربة وحدها، بل من تفاعلٍ متجددٍ بين معرفةٍ رصينة، وتزكيةٍ قلبية، وتجردٍ لله يجعل المرء أقرب إلى العدل وأبعد عن الغلو والانحياز.
فكل علمٍ لم يُهذبه الإخلاص عديمُ النفع، وكل بصيرةٍ لم تُنرها التقوى عمياءُ مهما بلغت من التحليل والدقة.
فاللهم ارزقنا بصيرةً ترى الحقّ في ضباب الفتن، وهدًى يثبت عند اختلاف الأهواء، ووعياً نقيًّا يزن الأمور بميزانك العادل، وصراطك المستقيم.


