حتى لا تضيع أمانة البيان!!
كانت أمانة البيان ولا تزال من أجلِّ ما حمّله الله رسله الكرام، وما ورَّثه العلماء الربانيون من بعدهم؛ فهي صلة الأمة بوحي ربها، وسبب حفظ الدين من التحريف والتبديل، وبوابة الهدى ومفتاح بث نور الله بين عبده، وجسر العبور بين نصوص الوحي الثابتة وواقع الناس المتبدل.
غير أن المتأمل في مشهدنا الإسلامي المعاصر لا تخطئ عينه رؤية بوادر تراجع خطير في حمل هذه الأمانة؛ إذ غاب صوت البيان الصافي، وارتفعت أصواتٌ تُغالب الحقَّ بالهوى، وتلبس على العامة دينهم، وتُعلي من شأن الاختيارات الشهوانية والتناول السطحي للفقه وأدلته على حساب أصول العلم وقواعده الراسخة، ومنهج التلقي والاستدلال الذي سارت عليه الأمة جيلا بعد جيل.
وهذا الخفوت لم ينشأ فجأة، بل هو حصيلة تداخل عوامل عديدة، أحدها اختلال ميزان التلقي عند الناس، حتى لم يعد كثير منهم يميز بين البصير الراسخ وصاحب الصوت المرتفع، ولا بين من بنى معرفته لبنة لبنة على منهج تأصيلي راشد، وبين من اقتحم منابر الخطابة بمجرد امتلاك أدوات الكلام أو مهارات الإقناع. ونتيجة ذلك الانقلاب في الموازين، صار معيار الشهرة مقدَّمًا على معيار التحقيق، وغدا الخطاب العاطفي أقرب إلى القبول من الطرح العلم المتين، ولذا وقع الناس صيدًا سهلاً لمن يدغدغون مشاعرهم ويستثيرون عواطفهم ويحسنون العرض و التناول وإن لم يكونوا في عداد أهل العلم والفقه.
ومن العوامل: تواري كثير من العلماء الربانيين عن مقام البيان، إما تورعًا، أو تضييقًا، أو استثقالًا لمشهد امتلأ بالصخب. فخلا الميدان لغير المتأهلين، وانفتح الباب واسعًا أمام أصوات تحمل الغيرة ولا تحمل العلم، وتتقد حماسة لكنها تفتقر إلى الفقه الذي يزن الأمور بموازين الشرع المطهر. فكان من أثر هذا الفراغ أن تصدرت مشاهد الدعوة شخصيات غير مؤصَّلة، ومناهج لا تمتد جذورها إلى أصول الوحي، فكثر لذلك الاضطراب والتخليط، وتصدر أنصاف المتعلمين كثير من منابر التوجيه في الأمة
ومن أسباب هذا الاضطراب: أن كثيرا من المؤسسات العلمية التي كانت عبر القرون مصانع للفقهاء، ومعاقلً للتهذيب والتزكية، أصبحت في كثير من الأحيان محاضن للمعرفة المجزأة، والمناهج المجرّدة من الروح التربوية، فتخرج الطالب مثقفا لا عالما، وصاحب معلومة لا صاحب ملكة. مع أن العلم الشرعي لم يكن يومًا مجرد نصوص تُحفظ، بل كان روحًا تُتنفس ومقامًا يُتربى فيه ويعمل به؛ وكان صبرًا طويل المدى، وجلوسًا بين يدي العلماء، وتزكيةً وتأدبا قبل أن يكون تفقهًا. فإذا غابت هذه الروح ضاعت الهيبة، وانفصل العلم عن العمل، وأصبح المتخرج يحمل شهادة لا تمنحه رسوخا ولا تزرع فيه ورعًا.
وقد أسهم في هذا المشهد كذلك: تلك اللغة التلفيقية أو التعميمية التي يستخدمها بعض المنتسبين إلى العلم لترضية المنتسبين إلى الجماعات والفرق كلهم والصدع بتزكيتهم بالجملة مع أن ما هم عليه مشتمل على حق وباطل وصواب وخطأ.
كما أسهم فيه تقدم الإداريين والتنظيميين على أهل التحقيق والرسوخ العلمي في قيادة المؤسسات والجماعات الدعوية، حتى صار القرار داخلها يُصاغ بميزان الإدارة لا العلم، ويُدار وفق حسابات الجدوى لا وفق بوصلة الشرع. ومن تسوّر هذا الباب من غير أهله لم يكتف بإدارة المؤسسات، بل مد يده إلى مقامات الفتوى والترجيح، وأخذ يخوض فيما لا يسوغ الخوض فيه إلا لمن رسخت قدمه في العلم، فانعكس هذا على خطاب الأمة ارتباكًا وتذبذبًا، ونقلت منابر الدعوة من مقام الهداية إلى مقام التوجيه المتذبذب الذي لا يقوم على أصل ولا يقف على قاعدة.
وإن استرداد أمانة البيان يبدأ من إعادة الأمور إلى موازينها الصحيحة؛ بأن يعود العلم إلى مكانته العليا، ويعود العلماء إلى مقام القيادة الفكرية والروحية للأمة، ويعود الناس إلى معيار التلقي كما أراده الشرع: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». فلا بد أن يُعاد بناء الوعي بمراتب أهل العلم، وأن يفهم الناس الفرق بين العالم والداعية، وبين الفقيه والخطيب، وبين صاحب الملكة وصاحب الثقافة، حتى لا تستوي عندهم الأصوات وإن تشابهت العناوين.
كما أن الإصلاح لا يكتمل من غير تجديد الروح التربوية في طلب العلم، وإعادة هيبة مجالس العلماء، وبناء جيل يعرف معنى الوقوف عند حدود النص، ويدرك أن العلم عبودية قبل أن يكون معرفة، ومسؤولية قبل أن يكون أداة تأثير. فهذا وحده كفيل بأن يرد للبيان صفاءه، وللدعوة توازنها، وللأمة رشدها في زمن اختلطت فيه الأصوات، وتداخلت فيه المقامات، وغاب فيه نسب العلم وحسبه في زحمة الادعاء.
وختاما: فإن أمانة البيان ليست شأنًا فرعيًا، بل هي صمام أمان صحة السير إلى الله كله؛ فإذا تسربت إليها الفوضى تلاشى الهدى، وإذا ضاعت معاييرها ضاع الرشد ومعالم الطريق.
جعلنا الله من أهل القلوب التي تريد وجه الله وتعرف أن حفظ أمانة البيان عبادة قبل أن تكون وظيفة، وثبات، ومجاهدة، وإخلاصٌ في زمن تتقاذفه الأهواء ويتلاعب فيه الجهال وجماعات من أهل المصالح.
| 


0 التعليقات:
إرسال تعليق