ليس كل داعية عالما ~ مدونة الأخوة

a

عن الموقع

span id="st_finder">

تابعنا عبر البريد

الأحد، 4 يناير 2026

ليس كل داعية عالما

|

 ليس كل داعيةٍ عالمًا


من أعظم الإشكالات التي ابتُليت بها ساحاتنا الدعوية في هذا العصر اختلالُ الموازين في تنزيل الناس منازلهم، وذهابُ الفروق بين مقام الدعوة ومقام الفتوى، وبين الوعظ العام والتأصيل العلمي لدى كثير من الناس، حتى تجرّأ كثيرٌ من المنتسبين إلى الدعوة على اقتحام مقام الفقه والاجتهاد، بلا آلةٍ راسخة، ولا تأهّلٍ معتبر، ولا ورعٍ يكفّهم عن القول على الله بغير علم.
فترى الواحد يأمر وينهى بلسان الشرع، ويخوض في النوازل الكبار، ويؤصّل المسائل الدقاق، كأنما نال رتبة الاجتهاد، وهو لم يرسخ قدمه في أصول الفقه، ولم يتمرّس بقواعد الترجيح، ولم يتشرّب مقاصد الشريعة، ولم يدرس المسائل بأدلتها، ولم يدرك بعد اختلاف العلماء، ولم يستحضر فداحة الكلمة إذا أُسندت إلى الله ورسوله ﷺ بلا علم.
وبكل أسى فالواقع يقول بأن أثر هذا الخلل لم يقف عند حدّ صاحبه، بل سرى إلى غيره، ففتح باب الجرأة في الدين، وجرّأ أنصاف المتعلمين على الكلام فيما لا يُحسنون، وجعل الفتوى جدارًا قصيرًا يتجاوزه كل من امتلك لسانًا جريئًا أو جمهورًا متابعًا، ففشا القول على الله بغير علم، وضلّ بسببه أقوام، واضطرب وعي الناس، واختلطت عليهم الأحكام، ولم يعودوا يفرّقون بين العالم والمتعالِم، ولا بين الفقيه والواعظ.
ولا ريب أن كل واحدةٍ من هذه البلايا كافيةٌ في نفسها في بث الفتنة والشر، فكيف إذا اجتمعت وتراكبت؟!
فإن القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات، بل هو قرين الشرك في الذكر الحكيم، وأشد خطرًا من كثير من المعاصي العملية، لأن ضرره متعدٍّ، وآثاره ممتدة، وفساده يعمّ الأفراد والمجتمعات، ويزيف معالم الشريعة ويشوه محاسنها، ويصدّ عن سبيل الله من حيث يُراد دعوة الناس إليها.
ومن هنا، فإن الواجب على كل من اتقى ربه، وأراد الخير لنفسه ولغيره أن يكفّ لسانه عمّا لا يُحسن، وأن يعرف قدره، ويلزم حدّه، وأن يوقن أن السلامة لا يعدلها شيء، وأن السكوت بغير علم عبادة، كما أن الكلام بعلم أمانة ثقيلة ومسؤولية عظيمة.
كما يجب على طالب الفتيا، والمستفتي في شؤون دينه، ألا يسأل كل من تصدّر أو ذاع اسمه، بل يتحرّى أهل العلم حقًّا، ممن عُرفوا بالرسوخ في الشريعة، وسعة الاطلاع، وصحة المنهج، وصدق الورع، والخشية من الله؛ فإن هذا الدين دين علم راسخ وأمانة، لا دين عاطفة، ولا ميدان حماسة مجردة.
فليس كل متديّنٍ داعية، ولا كل داعيةٍ فقيهًا، ولا كل فقيهٍ مؤهّلًا للكلام في كل نازلة.
كما أن التخصص سنّة كونية وشرعية، واحترامه من دلالىل العقل وتمام تعظيم هذا الدين وصيانته.
وإن من تمام النصح للدعوة أن يصان أهلها من التصدّر للقول على الله بغير علم، وأن يُعاد الاعتبار لأهل العلم الشرعي المؤصّل، وأن يُربّى الناس على التمييز بين مقام البيان العام ومقام الفتوى، وبين الخطاب الوعظي والحكم الشرعي، حتى لا تختلط المسؤوليات، ولا يلصق بالشريعة ما ليس منها.
نسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين، والتواضع للحق، وأن يعصم ألسنتنا من الزلل، وأقلامنا من الانحراف، إنه جواد كريم.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Get The Fixed Menu Gadget
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
back to top